ومن يصلح الخليفة إذا الخليفة فسد؟!! . دار الحياة

0

والفاتح لهذا المقال الثرى، بيت شعر للشاعر أبى سفيان الثوري «يا رجال العلم يا ملح البلد.. من يصلح الملح إذا الملح فسد؟»، وقد كان الملح ومازال يرش على اللحم حتى لا يفسد، وكان تساؤل صاحبنا في محله، حين قصد تحديدا أصحاب العلم أو العمائم وحدهم، وهم سبب فساد الراعي والرعية «وكذلك يفعلون»، فما فسد الحكام في تاريخنا الإسلامي إلا وكان الكثير من رجال الدين فى الصفوف الأولى يباركون ويناصرون ويدعمون، إلا من رحم ربى، ولم تكن البيعة فى تاريخنا إلا إقرارا من هؤلاء بملكية الخليفة لمصائر العباد، أو قلها صراحة «العبيد»، وهى في نهاية الأمر خلاصة صك البيعة هذا.

ولما كانت «البيعة»، وهى نظام اختيار الحاكم في الدولة الإسلامية، كالبيع والشراء، فقد أصبح ومازال مصير الرعية ويومها وغدها على هوى الخليفة أو الإمام دون اعتراض، إن شاء صدق وإن شاء فسد، ولا رجعة فيها «كما قالوا» إلا بكفره كفرا بواحا، وربما يكون كامل الإيمان لكنه فاقد الأهلية، أو ضعيف الإيمان لكنه كامل العلم والمنطق والإرادة، وهنا مكمن الفرس، فليس علينا إيمانه أو كفره أو ورعه وتقواه، بل له تقواه ولنا عمله، وله الجنة ونعيمها أو النار ولهيبها على ما قدمت يداه، فهذا حق الله عليه، أما نحن الرعية فما يهمنا وما يعنينا هو مصيرنا فى الحياة الدنيا معه، وهذا حقنا عليه، وقد كان هذا المفهوم مفقودا عند الخلفاء جميعا، فلا رقابة شعبية كانت على خليفة من الخلفاء، بل كانت النعم والعطايا والرواتب والمنح بيده، وكانت الحروب والغزوات بالأخرى، والحبس والسجن والقتل والتعذيب بين قدميه دون مبرر شرعى أو قانونى.

اقرأ ايضا: إذا ما أردنا التأثير

ولم يكن الإسلام الحقيقي له شأن بالسياسة، أو ميالا لاستغلال خلق الله أو السطو على مقدراتهم وأموالهم وأنفسهم، أو داعما لفكرة السبي وبيع عباد الله واستغلالهم جنسيا تحت دعاوى ملك اليمين أو التسري بالأسرى، فليس هذا من عند الله، حتى لو أقسموا جهد أيمانهم، لكنه كان من عند أنفسهم ومفردات وأدوات عصرهم، وللأسف قد تم هذا باسم الله وباسم الدين ولإعلاء كلمة الله.

ولقد نال المعارضون النصيب الأكبر من التعذيب والظلم والطغيان، ولم يكن حكم قتل المرتد أو تارك الصلاة أو الزكاة أو المفارق للجماعة إلا تشريعا سياسيا، يطول فيه الحكام المعارضين لحكمهم وقتلهم شرعا وسط التهليل والتكبير وفتوى الفقهاء، وأول من مارس فنون التعذيب ضد المعارضين هو معاوية بن أبى سفيان، وكانت العراق مركزا للرفض الأموي، ولم يفلح معاوية فى شراء كل ذمم زعماء القبائل، بل كانت المعارضة غالبا من خارجها، وكان لواليه على الكوفة والبصرة زياد بن أبيه «مجهول الأب» الريادة والصدارة في ابتكار ألوان من فنون التعذيب للمعارضين، فقتل الآلاف على الظن والشك، ومنع التجوال فى الولايتين ليلا، وابتكر قطع الألسن للمعارضين وأولهم لسان «رشيد الهجري»، وقد تفوق عليه تلميذه الحجاج بن يوسف الثقفي، قالوا قتل فى عهده ستمائة ألف مسلم، كان معظمهم من الذين عارضوا بنى أمية، وقد طبق هشام بن عبدالملك بن مروان عقوبة قطع الأيدي والأرجل من خلاف على المعارضين وأصحاب الرأي والفكر.

وإذا تحدثنا عن فنون التعذيب في الخلافة العباسية فقل ما لم يقله مالك فى الخمر، أما مذابح خلافة آل عثمان فقد شاب َمن هولها الولدان، فهذه مذبحة حلب وضحاياها تسعون ألف قتيل من الرجال والنساء والأطفال من العلويين، وسميت مذبحة «التل»، فقد جمعوا جماجم القتلى على شكل «تل» في وسط المدينة لبث الرعب والهلع فى نفوس رعايا المسلمين وغيرهم، وفى القاهرة «مذبحة القاهرة» قتلوا فيها عشرة آلاف من أهلها فى ليلة واحدة، ووطأت أقدامهم المساجد وأهانتها حوافر الخيل، ونهبوا ما فيها من آثار ومقتنيات، حتى كربلاء مدينة المآسي لم تنج من جحافل آل عثمان، قتلوا ونهبوا عشرات الآلاف، ومذبحة مسيحيي مدينة جدة، والحرم النبوى فى المدينة الذى تحول إلى ثكنة عسكرية بعد نهب آثاره ومقتنياته ولم يشفع عندهم أنه مستقر رسول الله، أما مذبحة الأرمن في عهد «السلطان عبدالحميد الثاني» فكان ضحاياه مليون ونصف ضحية، وهذه المذبحة بالذات تمت تحت غطاء ديني وهو محاربة الأرمن الكفار، ولو قرأت عن مذابح الأرمن ستلعن هذا الحكم، ومن نادى وينادى به سواء أكان تحت شعار الخلافة أو الدولة الدينية.

كل ألوان التعذيب والقتل والنفخ وتقطيع الأوصال والحرق والخنق وغير هذا الكثير، كان مباركا ومؤيدا وجائزا من غالبية المشايخ المقربين منهم، ونعطى مثالا فجا كريها على ذلك: معظم السلاطين العثمانيين قاموا بقتل إخوتهم الذكور مخافة مطالبتهم بالحكم، فهذا السلطان العثماني «بايزيد» أمر بقتل أخيه «يعقوب» وهذا السلطان العثماني «محمد الفاتح» يأمر بقتل إخوته التسعة عشر، ومنهم رضيع أمر بخنقه، واسمع ما قاله فقهاء الخليفة فى هذا الشأن حين أجازوا ذلك «إن الفتنة أشد من القتل، ونحن نأخذ أهون الضررين»، وهو قتلهم جميعا مخافة الفتنة، وهو أمر فى علم الغيب، ولما نسأل ومن يصلح الملح إذا الملح فسد؟، لا نجد لهذا إجابة سوى «الدولة المدنية هى الحل». أعتذر عن خطأ فى مقال الأسبوع الماضي، وهو أن الخليفة عبدالملك بن مروان «الخليفة العباسي»، والصحيح «الخليفة الأموي».

* كاتب مصري وباحث فى تاريخ الجماعات الاسلامية عضو المجلس الأعلى للثقافة

** جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي “دار الحيــاة



نسعد دائما بتفاعلكم معنا، يمكنكم ترك تعليق اسفل الموضوع، جميع التعليقات مفتوحة لزوار الموقع بشرط عدم التجاوز في حق احد او ازدراء الاديان.
بوابه الكويت أونلاين مجلة الكترونية عربية تهتم بنشر اهم وابرز الاخبار والتحديثات حول العالم، جميع الاخبار والموضوعات المنشورة هنا ليست وجهة نظر المجلة ولكنها تحت مسؤولية المحرر

Leave A Reply

Your email address will not be published.